جومارو
06-10-28, 09:41 AM
مع أول أيام العيد الفطر المبارك الذي متعنا بإطلالته البهيجة البراقة الأسبوع المنصرم... وكعادة كل عام تلقيت وتبادلت مع الصديقات والأهل والأقرباء، مكالمات التهاني والمباركات بحلول العيد السعيد... بيد ان من بين تلك الاتصالات دعوة وجهتها لي إحدى الصديقات لحضور مأدبة غداء نظمتها لبقية الصديقات في احد المطاعم اللبنانية الشهيرة في منطقة السالمية، بمناسبة اقتراب موعد سفرها عقب العيد مباشرة. ولما دقت ساعة موعد الغداء انعقد مجلس 'نون النسوة' وبروح النكتة وتحت أجواء هيمن عليها الضحك والتسلية والمرح... تناولت طعام الغداء حتى اتخمت البطون، فاحتجت العقول وطالبت بحقها في إعادة ضبط المزاج، فورا زاغت العيون والأبصار على فناجين القهوة 'لتعمير الراس' التي بمجرد لمسها طاولة الصديقات... فتحت الأفواه وانجرت الألسنة إلى ثرثرة الجنس الناعم المعهودة التي تباينت بين قصص العشاق والغراميات المقهورة وصيحات الموضة والأزياء وخطط البعض المستقبلية في مشوار الطموح والنجاح.
وسط أجواء مجلس السمر البناتي، تذكرت إحضار هدية لصاحبة الدعوة من السيارة، فاستأذنت من 'ألطف الكائنات' على وعد العودة بعد دقائق معدودة.
وفي أثناء السير إلى سيارتي لفت نظري موقع المطعم، الذي خرجت منه، في منطقة مكتظة بالمقاهي والمطاعم الشهيرة.. لدرجة عدم استبعادي لفكرة أن تحظى تلك المنطقة تحديدا بلقب 'مربع المقاهي' على المدى البعيد مستقبلا... فعلى اليسار ومن اليمين وإلى الخلف والأمام مقاه ومطاعم.
ولما كانت لحظة الاقتراب من سيارتي الواقعة في قلب مربع المقاهي، إذا بالدهشة تداهمني والتعجب يعتصر ذهني جراء ما وقع بصري عليه إذ لمحت من بين المطاعم والمقاهي مكانا بدا وكأنه كراج تصليح سيارات.. وهنا مارس الفضول لعبة الحيرة مع ذهني فانتفضت رغبة التقصي عما اندهشت العينان لرؤيته... ومضى العقل في طرح تساؤلات عدة نسج سياقها هذا الحوار الذي دار بيني وبين خلدي:
- يا إلهي..! 'كراج تصليح سيارات في منطقة مفترض بها انها واجهة ترفيهية ومقصد لتنزه العائلات والشباب؟!
- وحتى لو كان الأمر كما بدا... أيعقل أن يمارس الحرفيون والفنيون عملهم في عطلة رسمية خصوصا أول أيام العيد؟!
- معقول... ألم يخش أصحاب المطاعم والمقاهي المجاورة أن يؤثر الضجيج والازعاج المنبعث من ذاك الكراج على تقليص معدلات الحركة وحجم التردد على مصدر رزقهم ومكان عملهم..؟! حتما هناك سر ما وراء سكوت أصحاب تلك المقاهي واستمرار ذاك الكراج في ممارسة أنشطته.
- لا.. الأمر هكذا أصبح بحاجة إلى تفسير منطقي عاجل.
لا أخفي عليك عزيزي القارئ انه وحتى اللحظات التي سبقت وصولي إلى ما بدا وكأنه 'كراج سيارات'، غدا الشك يترنح في ذهني لصحة أن يكون ذاك المكان بالفعل متخصصا في تصليح السيارات، وعلى ضوء ذلك لم أجد سبيلا أمامي سوى قطع الشك باليقين فحملت هدية صديقتي ومضيت متوجهة إلى 'مرمى الحيرة'... وفي قرارة نفسي تمنيت أن يكون ذاك المبنى كراج تصليح بالفعل.. إذ كانت سيارتي بحاجة إلى بعض التصليحات والفحوصات المؤجلة طيلة الشهر الفضيل.. ولقيتها فرصة للتخلص من بعض المهام المتراكمة على عاتقي، عندما اقتربت من المكان المقصود قرأت كلمة 'كراج'، ناهيك عن معالم الواجهة التي تدل بل تؤكد ان ذاك المبنى مخصص لتصليح السيارات، فان أول ما يقع عليه النظر في مقدمة الكراج مشهد لسيارة سباق فولكس واغن معلقة وعليها نقوش ورسم بالألوان وعلى ما يبدو مفرغة من الماكينة وكأنها تحت التصليح والصيانة.. وفي المقابل ماكينة لسيارة كورفت فكت منها بعض القطع، أما أرضية الواجهة فتناثرت عليها بعض أجزاء وقطع السيارات المفككة.. فهذه رنجات وتواير بتصميمات لافتة للنظر وذاك سكان.. واخرى كشافات اضاءة، جير اكزوزات، مرايا جانبية وغيرها من الاجزاء والاحشاء الميكانيكية الخاصة والمتعلقة بالسيارة.
وليس ذاك فحسب، بل بدا كذلك وكأن ذاك الكراج متخصص في تصليح السيارات الكلاسيك القديمة الصنع، على الجهة اليمنى من مدخل الكراج تطالعك تعليق دعاميات خلفية وامامية لسيارات بونتيك وكورفت طراز قديم بدت وكأنها في وضع تجديد او تغيير لون صبغها الاصلي بغية تحديث او ترميم الموديل نفسه، على سبيل الافتراض والتخمين.
'آه.. الآن فقط اتضحت الصورة ورست الحيرة على بر اليقين والمعرفة.. اما الاعتقاد فاستقر على اني اقف بالفعل امام كراج تصليح سيارات.. وهنا عزمت على الدخول لمقابلة احد الفنيين وتعريفه بنوعية الاعطال التي تعاني منها رفيقة الدرب.. وقلت في قرارة نفسي اذا هي فرصة مناسبة.. بينما ينتهي حديث مجلس السمر الانثوي.. يكون قد تم عمل اللازم لسيارتي'.
ولعلي أصدقك القول عزيزي القارئ اذا اخبرتك انه في اللحظة التي اعقبت فتح باب الكراج.. لا ادري لماذا غزا فكري يقين ان ذاك المكان مبني مخصص بل مصمم لمخاطبة السلوك والفكر الاستهلاكي لزبائن ال 'V.I.P' فعند الدخول وللوهلة الاولى شاهدت زبائن يجلسون في قسم او مكان بدا وكأنه مخصص لكسر حدة ملل انتظار عمليات التصليح،، فامام الزبائن فناجين القهوة واكواب الشاي.. بل الظريف في الامر، حتى الشيشة متوافرة اذ رأيت البعض مندمجا في انسجام تام مع ادخنتها.. بل اللافت للنظر على الجهة المقابلة تتوافر شبه بوفيه مجهز لتقديم الاغذية والمشروبات بشتى انواعها.
والى ان يأتي الفني او المهندس المعني باستقبال الزبائن وسماع شكواهم مضيت الى داخل الكراج لأتفقد معالمه واركانه بعد ان وقعت في اسر الانجذاب الى تصميمات وديكورات ذاك المكان.. فكلما طالعت مشهدا او منظرا من تلك التصميمات، رجحت كفة اليقين بان صاحب ذاك المكان هو شخص فنان قبل ان يكون صاحب مشروع تصليح سيارات، بل ان نوعية الديكورات المستخدمة وطريقة التصميم تدل على ان ذاك الكراج انطلق الى مرتبة الخروج عن المألوف ليصبح فوق العادي، صحيح ان الجدران تبدو داكنة اللون المائل للرمادي اثر الشحوم والعوادم والابخرة السوداء المتصاعدة جراء عمليات تصليح المكائن الخربة.. ناهيك عن الارضية المتسخة ذات الملمس الخشن المحبب بالحديد البارز النقش المانع لانزلاق السيارات وملحقاتها واجزائها اثناء التصليح، بيد ان المكان لمسته ريشة فنان ابدع في خلق تحف وحلي متنكرة في تصميم 'كراجي سيارتي' بحت.. حقا عزيزي القارئ لاصدقك القول ان اخبرتك بهرب قدرتي على وصف المكان، فلا ادري من اين ابدأ سرد تفاصيل الكراج غير العادي، وكيف اصف ما شاهدت، فمنذ لحظة الجلوس على كراسي الانتظار في الطابق السفلي من الكراج، لفت انتباهي واحساسي معا.. التصميم المقتبس بل الادق الذي كان صورة طبق الاصل من مقاعد السيارة سواء من حيث نوعية الفرش او شكل المقاعد نفسها، اذ بمجرد الجلوس سرعان ما انتباني الشعور بان الخطوة اللاحقة للجلوس هي وضع يدي على الجير استعدادا للقيادة..؟!
لا بل داهمتني الدهشة اكثر حينما لمحت طريقة تنفيذ الطاولات المقابلة للمقاعد.. اذ لم يخرج تصميمها عن شكل زجاجة كبيرة بيضاوية او دائرية الشكل ومسنودة، اما بعدد من الاطارات التي وضعت بشكل عمودي على الطاولة، او بمجسم كبير لسيارة بورش.. بل الاطرف من هذا وذاك 'بستن' السيارة الذي تحول بقدرة وابداع الخراط الى طفاية سجائر متناثرة على الطاولات.
بعد ان جلست منتظرة قدوم الفني المختص باستقبال الزبائن.. جالت عيناي بدقة وامعان للنظر في شتى ارجاء المكان، فكانت اول محطة تستوقفهما، النحت على الجدران المنقوش عليها رسومات كاريكاتيرية لسيارات بوليس واخرى خاصة بالسباقات الرياضية، كان اطرفها رسم لسيارة بدت وكأنها انحرفت عن مسارها فكادت تخترق الجدران وتسقط على الزبائن.
اما المحطة الثانية في جولة العيون فكانت مشهد لبر ان او ما يطلق عليه حامل زجاجي يحتضن باقة مميزة من مجسمات لسيارات كلاسيك من الطراز النادر، وفي الجهة المقابلة ركن تم تزيينه بمجسم كبير لسيارة رولز رويز انتيك قديمة الصنع ويظهر خلفها مجسم لقنينة زيت سيارة والى جانبها غطاء جير.. وغيرها.. وغيرها.
من اللمسات الفنية الإبداعية التي لم تتوار عنها النظرات أو تكل أمامها ملكة 'حب الاستطلاع'، فهي مشاهد عزفت سيناريوهات سيمفونية شوق وتدليل العاشق لمن عشق فخرجت القضية والمسألة برمتها عن بؤرة النشاط التجاري المدر للأرباح. وحتى لا أطيل الحديث عليك عزيزي القارئ وتفاديا لمأزق السقوط في هاوية متاهات الوصف والغوص في عالم التفاصيل... اعود بك قارئي العزيز مرة أخرى إلى لب الموضوع 'لما بدا الإرهاق يتسلل إلى ملكة خيالي جراء التلاطم بين أمواج الدهشة والانبهار الممزوجين بالتعجب اثر إصرار الفضول على الإبحار في تفاصيل المكان بحثا عن مفاتيح أسراره، التي مازال الغموض يعتريها... فجأة انتبهت لمرور ما يربو عن النصف ساعة على وجودي في الكراج ومن دون أن يأتي 'صاحب الاختصاص' لمقابلتي والتعرف على مشاكل سيارتي.. بيد اني قلت في قرارة نفسي ربما ينبع العذر من ضغط العمل، فلا يعقل أن تكون الخدمة المهنية أقل كفاءة أو على غير مستوى ما انبهرت العينان برؤيته من تصميم للمكان... وإذا بنفسي تقتنع بالانتظار لبضع دقائق أخرى، حضر خلالها 'النادل' المشرف على قسم خدمة ال V.I.P، وسألني عن نوع المشروب الذي أرغب في احتسائه فطلبت 'فنجانا من الشاي الأخضر' - حتى يساعد المعدة على هضم عزومة الغداء التي حتما كاد شركاؤها أن يقتلهم الملل من طول انتظاري الذي اخترق الدقائق المعدودة التي وعدت بعدم تجاوزها - ومرت الدقائق الإضافية وانتهيت من شرب الشاي.. ورغم ذلك أيضا لم يأت أحد، وقبل أن تمر أو تمضي النصف ساعة الثانية استدعيت 'النادل' ودار بيني وبينه هذا النقاش الذي لم ولن أنساه أبدا..!!
- تكرم عينيك 'ستنا' تأمري بخدمة ثانية.. بدك تشربي شي بعد؟
- لا.. شكرا، بس لو سمحت فين المسؤول أو الفني المختص بالتصليح والصيانة؟
- عفوا... على شو حضرتك بتحكي..؟! ومين طالبة تقابلي بالضبط!!.. ما فهمت عليكي تصليح شو؟!
- سيارتي.. عايزة أقابل المهندس أو الفني لفحص السيارة.
'وإذا بالضحك ينهال على وجنتي 'النادل' وبدا من ملامح وجهه وكأن تلك ليست المرة الأولى أو الوحيدة التي يتعرض فيها إلى مثل تلك الأسئلة، وإذا به يحاول أن يتمالك نفسه من اهتزازات الضحك.. وأخيرا نطق قائلا:
- لا تؤاخذينا.. 'ستنا' هذا كافية مو كراج تصليح سيارات..!!
'وهنا هبطت صاعقة المفاجأة فأصابتني بالصمت الذي ساد لدقائق قليلة تزاحمت خلالها الأسئلة والاستفسارات في ذهني.. إلى أن انحلت عقدة اللسان فنطقت قائلة:
- إزاي.. يعني ايه مقهى.. قصدي في الخارج مكتوب 'كراج'.. وبعدين انت مش شايف ان احنا قاعدين في كراج مش حاسس حولك؟! يعني هو فيه كافيه معلق 'ريدياتير' في السقف ولا حاطتله على الأرض اكزوزات وتواير وكشافات على الجمب وأمام الحمام مكاين خربانة؟! فيه كافيه حيطانه مبهدلة ومتشحمة من الأبخرة السودة إللي طالعة من المكاين الخربانة؟! أرجوك ده مش وقت مزاح من فضلك نادي المختص بالفحص الفني.
يا 'ستنا'.. والله العظيم هذا كافيه مو كراج تصليح.. اطلعي حتى بره بتلاقي مكتوب 'كراج كافيه' وبعدين.. كل اللي حضرتك ذكرتيه من ملاحظات صحيح، ومعك حق فيه.. بس هو نفسه اللي لاحظتيه كان الهدف من تصميم المقهى.. انه يظهر بلون وشخصية ومعالم 'الكراجات' لدرجة ان الزبون لما يفوت على الكافية يحس حاله قاعد بكراج ولا ورشة تصليح سيارات..؟!
عفوا.. اياك قارئي العزيز ان يساورك الاعتقاد ان اجابات وتفسيرات 'النادل' - التي قصد من ورائها توضيح الصورة وتصحيح ما ذهب اليه الاعتقاد - كان لها ادنى تأثير في تهدئة لوعة الفضول المستميت على كشف اسرار ذاك الكراج المتنكر في صورة مقهى.. لا بل توهج جمر الاشتياق الى رفع ستار الغموض المهيمن على المكان.. واجزم الآن ان هذا هو الوصف الدقيق للاحساس والشعور اللذين انتاباك انت ايضا عزيزي القارئ.. لكن اعدك بألا اسمح للحيرة بالمزيد من اعتصار وارهاق ذهنك.. الذي لو صدقت الرأفة بحاله، عليك بمتابعة نتائج فتش عن اسرار ذاك الكافيه المتنكر في تصميم 'كراج'!.
استوحيت الفكرة من أحد الأفلام الأميركية!
اخيرا.. اوشك الوقت لرفع الستار عن مسرحية 'لغز المقهى المتخفي في كراج سيارات'، فبعد عناء البحث والتقصي تكللت الجهود بالوصول الى ابطال الحدث.. 'اصحاب ذاك المشروع المحير'، الذي اتضح ان احدهما يدعى انس العتيبي اما الآخر فهو نواف عبدالمحسن الكوت، بيد ان الحظ والصدفة لم يسمحا سوى بمقابلة الاخير، كان الحوار معه بمثابة العثور على مفتاح اللغز العجيب.. فكان اول ما طرحت عليه من اسئلة، انحصر محتواها في دائرة مساعي البحث والكشف والتنقيب عن جذور الفكرة التي انفجر من جعبتها اسلوب تصميم وطريقة بناء المقهى بكل تفاصيله الغريبة.. المثيرة والطريفة!! وفي ذاك السياق انطلق اول سؤال تلقاه نواف الكوت كان مضمونه:
- من اين وكيف هبط عليك هذا الالهام الذي اوحي اليك بفكرة تنفيذ الكراج.. عفوا اقصد 'المقهى المتنكر'..؟!!.
اجاب الكوت بابتسامة امتصت شغف الفضول قائلا:
- الحقيقة استوحيت الفكرة من مشاهدة احدى الافلام الاميركية حينما ترسخ بذاكرتي مشهد لتجمع هواة السيارات اليابانية في احد كراجات تصليح السيارات، خصص لاحتساء القهوة وتبادل المعلومات والتعرف على جديد اخبار السيارات.. ناهيك عن محاولات الكشف عن مستحدثات الاخر في سيارته.. ومن هنا تولدت فكرة 'تصميم مكان ترفيهي يحتضن هواة السيارات'.
وهنا توقف الكوت للحظات عن الكلام تبددت خلالها الابتسامة بملامح العبوس والكدر.. واذا به يقهر الصمت في صوت عبر عن هموم الهواة.. قائلا: 'لعلها فرصة طيبة اود استغلالها في توضيح جانب مهم وملموس من معاناة الهواة، الا وهي عدم وجود متنفس حقيقي يجمع ويوحد بين محبي السيارات بالشكل الذي يمنح هؤلاء الهواة الفرصة للتعبير عما ذاب القلب في غرامه واسر العقل بجاذبيته، بل ما يهجره الشك يقينا في حديثنا هذا، ان مسألة اقتناء السيارات لم تعد مجرد وسيلة للتنقل او غاية لقضاء متطلبات الحياة اليومية وانما انقلبت المسألة برمتها، خصوصا في السنوات الخميس الاخيرة، الى لون من الوان الهواية وغاية للاستمتاع بمن تحب وتشتهي من موديلات السيارات، وهي الظاهرة التي بات يرويها فكر شريحة وفئة معينة من المجتمع الكويتي، حيث السواد الاعظم منه ينتمي الى الشباب.. بل باتت تتجلى مظاهرها في تجمعات سيارات شباب الكويت على شارع الخليج، وفي اعتقادي الخاص اجد ان تلك المعاناة السالف طرحها كانت سببا رئيسيا في نجاح فكرة المقهى'.
ثلج الشيشة يقدم ب'طاسة الدهن'..! والماء مستبدل بزيت ماكينة!
لا أدري لماذا بدا لي منطقيا أن يكون ذاك المقهى 'الكراجي'.. بتصميمه 'السياراتي'.. وديكوره 'السكرابي'، منجما للطرفة ومادة كوميدية شيقة جدا بل مثيرة لموهبة الشخصيات المرحة ممن يتمتعون بروح النكتة واحكام سيناريو الاسلوب الهزلي المستفز للضحك، وفي هذا السياق سألت 'نواف الكوت':
- يا ترى ما هي اطرف التعليقات التي ترننت على مسامعك على سبيل تفاعل الزبائن مع 'الكافيه الكراجي'.
واذا بالكوت يسرد ضاحكا:
- في احدى المرات حضر زبون وجلس برفقة اصدقائه ثم طلب لنفسه شيشة، طبعا وتماشيا مع 'روشنة' المكان قام 'النادل' بتقديم ثلج الشيشة على طاسة الدهن المستخدمة في الكراجات وورش التصليح عند الحاجة الى تبديل زيت المحرك.. وهنا كانت النكتة والطرفة الحقيقية في رد فعل ذاك الزبون، فاذا به يحدق بامعان للنظر في شكل الشيشة الغريب والجديد بالنسبة اليه.. ثم قال ساخرا"
'شنو هذا..؟! ثلج بطاسة دهن..! والله خلينا انطالع زين.. ليكون حاطت زيت مكان جلاسات الماي..!!'.
كيكة عيد الميلاد 'سيارة'.. وقريبا المشروبات تقدم في 'إكزوزات'!
أضناني الفضول شوقا للتقصي عن الانطباعات الاولى للجنس الناعم، لحظة دخولهن 'الكراج العجيب' خصوصا ان مظهره الخشن جاء على هوا 'الجنس الخشن'، وبيني وبينكم اعزائي القراء، توقعت الا يكون هناك تردد أو تواجد لألطف الكائنات بين احشاء السكراب وخردوات الورش.. بيد ان كانت المفاجأة الكبرى عندما اشار الكوت الى مدى الاقبال الكبير والتردد الملحوظ الذي يحظى به المقهى من البنات، لدرجة تحول الكثيرات الى 'زبونات'، بل بلغ من ذروة اندماج الذوق الناعم 'إلي ما بقاش.. ناعم!!' مع المكان، استمتاع الكثيرات بالاحتفال بأعياد ميلادهن داخل 'الكراج'. وعن تلك الظاهرة التي قلبت الموازين ذكر الكوت متباهيا:
في احدى المرات جاءت فتاة شابة في مقتبل ال 20 ربيعا، لتبرم مع ادارة المقهى التجهيزات والاستعدادات بعيد ميلادها،.. ولما حان وقت قدوم الاصدقاء والمدعوين والمهنئين كانت ادارة 'الاغذية والمشروبات' قد انتهت من اعداد مفاجأة الحفل الذي انبهر بها الحضور فور رؤيتها، بمن فيهم صاحبة عيد الميلاد التي هي نفسها لم تكن تعلم شيئا عن امر تلك المفاجأة!! وهنا قطعت حديث 'الكوت' لأسأله عن نوع تلك المفاجأة، وماذا كانت تحديدا؟!
- فأجاب الكوت بابتسامة يعتريها الخجل:
- كعكة عيد الميلاد تم تقديمها على شكل سيارة 'بونتيك حمراء كلاسيك'..!
'طب يا ترى الشمع كان شموع احتراق المحرك'؟!، وعلى الوضع ده كانت الهدايا ايه؟!
'خاتم كاربراتير'! ولا اسوارة 'سفايف'..!! ولا يمكن جابولها زهرية كومبريسر..؟! على العموم كل شيء جائز!!
المهم خلينا في موضوعنا، عاودت سؤال الكوت مرة اخرى فسألته:
- هل هناك توجهات مستقبلية من قبل ادارة المقهى بشأن تطوير الخدمة مثل: تقديم المشروبات في اكزوزات؟!، بدل الاكواب!.. ومثلا تسخين المياه في راديتر بدل سخان الماي..! او حتى تقديم المشروبات والطلبات على غطاء سيارة بدل الصينية اللي اصبحت موضة قديمة جدا.. طبعا بالنسبة لروشنة كراجكم.. اقصد مقهاكم..؟!
- فأجاب الكوت وهو في محاولة مستميتة لتمالك نفسه من الضحك:
- و'الله افكار.. وايد زينة.. ليش لأ!!'.
الديكورات مجهزة بأحدث صيحات 'السكراب'..!!!
جرت العادة.. بل اعتاد السمع، ان رجل الاعمال الناجح حينما ينوي العزم على افتتاح اي مشروع تجاري مدر للأرباح، لا بد ان يولي عناية فائقة وخاصة جدا لجميع التفاصيل وادقها، حتى يكسب التميز والمظهر المتألق الناجح لما عقد العزم على الشروع فيه وانجازه.. وعلى مرمى حديثنا هذا عن 'الكافيه المنتحل لصفة كراج سيارات'، توقعت ان يكون ملاكه قد استعانوا بمهرة خبراء التصميم الهندسي حتى يخرج شكل المقهى النهائي بتلك الصورة العجيبة.. ولكن.. ماذا لو علمت عزيزي القارئ ان طاقم مهندسي وخبراء الديكور الذين استعان بهم اصحاب المقهى هم مجرد 'هواة للسيارات' من اصحاب التخصصات المختلفة تبعد كل البعد عن حقل الديكور والتصميم، لا بل ستتوهج دهشتك أكثر فأكثر لو ادركت ان الديكورات نفهسا تم تجهيزها وتحصيلها وتجميعها بالكامل من أمغرة (السكراب).
اما عن تفاصيل وذكريات 'رحلة السكراب' الشيقة، الممتعة، والمثيرة، والتي اخشى على بعض قرائي الاعزاء ان يستبدلوا ويفضلوا تلك الرحلة لاحقا على اجازات ورحلات الصيف في اوربا واميركا،.. افصح الكوت قائلا:
'مكثت في أمغرة قرابة الشهرين، وعلى مدى يومي، اغدو من مطلع الشمس ولا اعود الى بعد غروبها، خلال تلك الفترة تبدأ رحلة ومشوار البحث والتنقيب عن القطع والمقتنيات السكرابية الفاخرة ممن اجد فيها ما يناسب اسم الكافيه ويتماشى مع اسلوب وطريقة تصميمه. صحيح ان تلك الرحلة كلفتني 5 آلاف دينار قيمة الديكورات والزينة التي جلبتها من السكراب لكنها كانت رحلة مثمرة عدت منها بغنائم شتى وعلى ما اذكر هي:
- جمعت ما يقارب ال 100 قطعة 'بستن' وبعد ارسالها الى الخراط لتلميعها وتجهيزها للاستعمال، تحولت بقدرة ابداعه الى طفايات سجائر تناثرت حاليا على طاولات الكافيه اذ بلغ اجمالي تكلفتها ما يربو على ال 1500 دينار، في حين كان من الممكن جدا ان اشتري طفايات عادية لا يتعدى سعر الواحدة منها 100 فلس.
- اما لو تحدثنا عن ديكورات الاسقف.. فانتقيت أفخر انواع الزينة والحلى بل ارقاها من 'السكراب'..!!، فأحضرت:
'كرنكات، طاسات تواير، كشافات اضاءة، مرايا جانبية، حمال مكائن المستخدم في ورش ومحلات تصليح السيارات اذ علقت فيه دراجة'.. فقمت باستغلال تلك التحف لتعليقها في الاسقف التابعة للكافيه بحيث تبدو منسدلة من اعلى امام الجالسين على المقاعد.
- هذا طبعا، ناهيك عن الاهداءات النادرة والهدايا القيمة التي اثرى بها الهواة المقهى عند افتتاحه.. فمنهم من تنازل وتبرع للكافيه بجاكيت واق خاص بسباقات الفورمولا '1' فقمت بتعليقه في احد اركان الطابق العلوي للمقهى، ومن الهواة المبدعين من اهداني اعز واغلى ما يملك من الرنجات والتواير، فزينت بها ارضية الكافيه.. وغيرها.. وغيرها من الاهداءات الثمينة.
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_280001.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_280009.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_280009.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_29.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_290001.jpg
منقول من جريدة القبس الكويتية
الله يوفّقكم شباب ويوفق عموم الشباب الكويتيين المهتمين بعالم السيارات وانشالله المسؤولين يحسون شوي فينا ويبنون مكان خاص لالتقاء محبي السيارات واماكن لإقامة بطولات وسباقات.
وسط أجواء مجلس السمر البناتي، تذكرت إحضار هدية لصاحبة الدعوة من السيارة، فاستأذنت من 'ألطف الكائنات' على وعد العودة بعد دقائق معدودة.
وفي أثناء السير إلى سيارتي لفت نظري موقع المطعم، الذي خرجت منه، في منطقة مكتظة بالمقاهي والمطاعم الشهيرة.. لدرجة عدم استبعادي لفكرة أن تحظى تلك المنطقة تحديدا بلقب 'مربع المقاهي' على المدى البعيد مستقبلا... فعلى اليسار ومن اليمين وإلى الخلف والأمام مقاه ومطاعم.
ولما كانت لحظة الاقتراب من سيارتي الواقعة في قلب مربع المقاهي، إذا بالدهشة تداهمني والتعجب يعتصر ذهني جراء ما وقع بصري عليه إذ لمحت من بين المطاعم والمقاهي مكانا بدا وكأنه كراج تصليح سيارات.. وهنا مارس الفضول لعبة الحيرة مع ذهني فانتفضت رغبة التقصي عما اندهشت العينان لرؤيته... ومضى العقل في طرح تساؤلات عدة نسج سياقها هذا الحوار الذي دار بيني وبين خلدي:
- يا إلهي..! 'كراج تصليح سيارات في منطقة مفترض بها انها واجهة ترفيهية ومقصد لتنزه العائلات والشباب؟!
- وحتى لو كان الأمر كما بدا... أيعقل أن يمارس الحرفيون والفنيون عملهم في عطلة رسمية خصوصا أول أيام العيد؟!
- معقول... ألم يخش أصحاب المطاعم والمقاهي المجاورة أن يؤثر الضجيج والازعاج المنبعث من ذاك الكراج على تقليص معدلات الحركة وحجم التردد على مصدر رزقهم ومكان عملهم..؟! حتما هناك سر ما وراء سكوت أصحاب تلك المقاهي واستمرار ذاك الكراج في ممارسة أنشطته.
- لا.. الأمر هكذا أصبح بحاجة إلى تفسير منطقي عاجل.
لا أخفي عليك عزيزي القارئ انه وحتى اللحظات التي سبقت وصولي إلى ما بدا وكأنه 'كراج سيارات'، غدا الشك يترنح في ذهني لصحة أن يكون ذاك المكان بالفعل متخصصا في تصليح السيارات، وعلى ضوء ذلك لم أجد سبيلا أمامي سوى قطع الشك باليقين فحملت هدية صديقتي ومضيت متوجهة إلى 'مرمى الحيرة'... وفي قرارة نفسي تمنيت أن يكون ذاك المبنى كراج تصليح بالفعل.. إذ كانت سيارتي بحاجة إلى بعض التصليحات والفحوصات المؤجلة طيلة الشهر الفضيل.. ولقيتها فرصة للتخلص من بعض المهام المتراكمة على عاتقي، عندما اقتربت من المكان المقصود قرأت كلمة 'كراج'، ناهيك عن معالم الواجهة التي تدل بل تؤكد ان ذاك المبنى مخصص لتصليح السيارات، فان أول ما يقع عليه النظر في مقدمة الكراج مشهد لسيارة سباق فولكس واغن معلقة وعليها نقوش ورسم بالألوان وعلى ما يبدو مفرغة من الماكينة وكأنها تحت التصليح والصيانة.. وفي المقابل ماكينة لسيارة كورفت فكت منها بعض القطع، أما أرضية الواجهة فتناثرت عليها بعض أجزاء وقطع السيارات المفككة.. فهذه رنجات وتواير بتصميمات لافتة للنظر وذاك سكان.. واخرى كشافات اضاءة، جير اكزوزات، مرايا جانبية وغيرها من الاجزاء والاحشاء الميكانيكية الخاصة والمتعلقة بالسيارة.
وليس ذاك فحسب، بل بدا كذلك وكأن ذاك الكراج متخصص في تصليح السيارات الكلاسيك القديمة الصنع، على الجهة اليمنى من مدخل الكراج تطالعك تعليق دعاميات خلفية وامامية لسيارات بونتيك وكورفت طراز قديم بدت وكأنها في وضع تجديد او تغيير لون صبغها الاصلي بغية تحديث او ترميم الموديل نفسه، على سبيل الافتراض والتخمين.
'آه.. الآن فقط اتضحت الصورة ورست الحيرة على بر اليقين والمعرفة.. اما الاعتقاد فاستقر على اني اقف بالفعل امام كراج تصليح سيارات.. وهنا عزمت على الدخول لمقابلة احد الفنيين وتعريفه بنوعية الاعطال التي تعاني منها رفيقة الدرب.. وقلت في قرارة نفسي اذا هي فرصة مناسبة.. بينما ينتهي حديث مجلس السمر الانثوي.. يكون قد تم عمل اللازم لسيارتي'.
ولعلي أصدقك القول عزيزي القارئ اذا اخبرتك انه في اللحظة التي اعقبت فتح باب الكراج.. لا ادري لماذا غزا فكري يقين ان ذاك المكان مبني مخصص بل مصمم لمخاطبة السلوك والفكر الاستهلاكي لزبائن ال 'V.I.P' فعند الدخول وللوهلة الاولى شاهدت زبائن يجلسون في قسم او مكان بدا وكأنه مخصص لكسر حدة ملل انتظار عمليات التصليح،، فامام الزبائن فناجين القهوة واكواب الشاي.. بل الظريف في الامر، حتى الشيشة متوافرة اذ رأيت البعض مندمجا في انسجام تام مع ادخنتها.. بل اللافت للنظر على الجهة المقابلة تتوافر شبه بوفيه مجهز لتقديم الاغذية والمشروبات بشتى انواعها.
والى ان يأتي الفني او المهندس المعني باستقبال الزبائن وسماع شكواهم مضيت الى داخل الكراج لأتفقد معالمه واركانه بعد ان وقعت في اسر الانجذاب الى تصميمات وديكورات ذاك المكان.. فكلما طالعت مشهدا او منظرا من تلك التصميمات، رجحت كفة اليقين بان صاحب ذاك المكان هو شخص فنان قبل ان يكون صاحب مشروع تصليح سيارات، بل ان نوعية الديكورات المستخدمة وطريقة التصميم تدل على ان ذاك الكراج انطلق الى مرتبة الخروج عن المألوف ليصبح فوق العادي، صحيح ان الجدران تبدو داكنة اللون المائل للرمادي اثر الشحوم والعوادم والابخرة السوداء المتصاعدة جراء عمليات تصليح المكائن الخربة.. ناهيك عن الارضية المتسخة ذات الملمس الخشن المحبب بالحديد البارز النقش المانع لانزلاق السيارات وملحقاتها واجزائها اثناء التصليح، بيد ان المكان لمسته ريشة فنان ابدع في خلق تحف وحلي متنكرة في تصميم 'كراجي سيارتي' بحت.. حقا عزيزي القارئ لاصدقك القول ان اخبرتك بهرب قدرتي على وصف المكان، فلا ادري من اين ابدأ سرد تفاصيل الكراج غير العادي، وكيف اصف ما شاهدت، فمنذ لحظة الجلوس على كراسي الانتظار في الطابق السفلي من الكراج، لفت انتباهي واحساسي معا.. التصميم المقتبس بل الادق الذي كان صورة طبق الاصل من مقاعد السيارة سواء من حيث نوعية الفرش او شكل المقاعد نفسها، اذ بمجرد الجلوس سرعان ما انتباني الشعور بان الخطوة اللاحقة للجلوس هي وضع يدي على الجير استعدادا للقيادة..؟!
لا بل داهمتني الدهشة اكثر حينما لمحت طريقة تنفيذ الطاولات المقابلة للمقاعد.. اذ لم يخرج تصميمها عن شكل زجاجة كبيرة بيضاوية او دائرية الشكل ومسنودة، اما بعدد من الاطارات التي وضعت بشكل عمودي على الطاولة، او بمجسم كبير لسيارة بورش.. بل الاطرف من هذا وذاك 'بستن' السيارة الذي تحول بقدرة وابداع الخراط الى طفاية سجائر متناثرة على الطاولات.
بعد ان جلست منتظرة قدوم الفني المختص باستقبال الزبائن.. جالت عيناي بدقة وامعان للنظر في شتى ارجاء المكان، فكانت اول محطة تستوقفهما، النحت على الجدران المنقوش عليها رسومات كاريكاتيرية لسيارات بوليس واخرى خاصة بالسباقات الرياضية، كان اطرفها رسم لسيارة بدت وكأنها انحرفت عن مسارها فكادت تخترق الجدران وتسقط على الزبائن.
اما المحطة الثانية في جولة العيون فكانت مشهد لبر ان او ما يطلق عليه حامل زجاجي يحتضن باقة مميزة من مجسمات لسيارات كلاسيك من الطراز النادر، وفي الجهة المقابلة ركن تم تزيينه بمجسم كبير لسيارة رولز رويز انتيك قديمة الصنع ويظهر خلفها مجسم لقنينة زيت سيارة والى جانبها غطاء جير.. وغيرها.. وغيرها.
من اللمسات الفنية الإبداعية التي لم تتوار عنها النظرات أو تكل أمامها ملكة 'حب الاستطلاع'، فهي مشاهد عزفت سيناريوهات سيمفونية شوق وتدليل العاشق لمن عشق فخرجت القضية والمسألة برمتها عن بؤرة النشاط التجاري المدر للأرباح. وحتى لا أطيل الحديث عليك عزيزي القارئ وتفاديا لمأزق السقوط في هاوية متاهات الوصف والغوص في عالم التفاصيل... اعود بك قارئي العزيز مرة أخرى إلى لب الموضوع 'لما بدا الإرهاق يتسلل إلى ملكة خيالي جراء التلاطم بين أمواج الدهشة والانبهار الممزوجين بالتعجب اثر إصرار الفضول على الإبحار في تفاصيل المكان بحثا عن مفاتيح أسراره، التي مازال الغموض يعتريها... فجأة انتبهت لمرور ما يربو عن النصف ساعة على وجودي في الكراج ومن دون أن يأتي 'صاحب الاختصاص' لمقابلتي والتعرف على مشاكل سيارتي.. بيد اني قلت في قرارة نفسي ربما ينبع العذر من ضغط العمل، فلا يعقل أن تكون الخدمة المهنية أقل كفاءة أو على غير مستوى ما انبهرت العينان برؤيته من تصميم للمكان... وإذا بنفسي تقتنع بالانتظار لبضع دقائق أخرى، حضر خلالها 'النادل' المشرف على قسم خدمة ال V.I.P، وسألني عن نوع المشروب الذي أرغب في احتسائه فطلبت 'فنجانا من الشاي الأخضر' - حتى يساعد المعدة على هضم عزومة الغداء التي حتما كاد شركاؤها أن يقتلهم الملل من طول انتظاري الذي اخترق الدقائق المعدودة التي وعدت بعدم تجاوزها - ومرت الدقائق الإضافية وانتهيت من شرب الشاي.. ورغم ذلك أيضا لم يأت أحد، وقبل أن تمر أو تمضي النصف ساعة الثانية استدعيت 'النادل' ودار بيني وبينه هذا النقاش الذي لم ولن أنساه أبدا..!!
- تكرم عينيك 'ستنا' تأمري بخدمة ثانية.. بدك تشربي شي بعد؟
- لا.. شكرا، بس لو سمحت فين المسؤول أو الفني المختص بالتصليح والصيانة؟
- عفوا... على شو حضرتك بتحكي..؟! ومين طالبة تقابلي بالضبط!!.. ما فهمت عليكي تصليح شو؟!
- سيارتي.. عايزة أقابل المهندس أو الفني لفحص السيارة.
'وإذا بالضحك ينهال على وجنتي 'النادل' وبدا من ملامح وجهه وكأن تلك ليست المرة الأولى أو الوحيدة التي يتعرض فيها إلى مثل تلك الأسئلة، وإذا به يحاول أن يتمالك نفسه من اهتزازات الضحك.. وأخيرا نطق قائلا:
- لا تؤاخذينا.. 'ستنا' هذا كافية مو كراج تصليح سيارات..!!
'وهنا هبطت صاعقة المفاجأة فأصابتني بالصمت الذي ساد لدقائق قليلة تزاحمت خلالها الأسئلة والاستفسارات في ذهني.. إلى أن انحلت عقدة اللسان فنطقت قائلة:
- إزاي.. يعني ايه مقهى.. قصدي في الخارج مكتوب 'كراج'.. وبعدين انت مش شايف ان احنا قاعدين في كراج مش حاسس حولك؟! يعني هو فيه كافيه معلق 'ريدياتير' في السقف ولا حاطتله على الأرض اكزوزات وتواير وكشافات على الجمب وأمام الحمام مكاين خربانة؟! فيه كافيه حيطانه مبهدلة ومتشحمة من الأبخرة السودة إللي طالعة من المكاين الخربانة؟! أرجوك ده مش وقت مزاح من فضلك نادي المختص بالفحص الفني.
يا 'ستنا'.. والله العظيم هذا كافيه مو كراج تصليح.. اطلعي حتى بره بتلاقي مكتوب 'كراج كافيه' وبعدين.. كل اللي حضرتك ذكرتيه من ملاحظات صحيح، ومعك حق فيه.. بس هو نفسه اللي لاحظتيه كان الهدف من تصميم المقهى.. انه يظهر بلون وشخصية ومعالم 'الكراجات' لدرجة ان الزبون لما يفوت على الكافية يحس حاله قاعد بكراج ولا ورشة تصليح سيارات..؟!
عفوا.. اياك قارئي العزيز ان يساورك الاعتقاد ان اجابات وتفسيرات 'النادل' - التي قصد من ورائها توضيح الصورة وتصحيح ما ذهب اليه الاعتقاد - كان لها ادنى تأثير في تهدئة لوعة الفضول المستميت على كشف اسرار ذاك الكراج المتنكر في صورة مقهى.. لا بل توهج جمر الاشتياق الى رفع ستار الغموض المهيمن على المكان.. واجزم الآن ان هذا هو الوصف الدقيق للاحساس والشعور اللذين انتاباك انت ايضا عزيزي القارئ.. لكن اعدك بألا اسمح للحيرة بالمزيد من اعتصار وارهاق ذهنك.. الذي لو صدقت الرأفة بحاله، عليك بمتابعة نتائج فتش عن اسرار ذاك الكافيه المتنكر في تصميم 'كراج'!.
استوحيت الفكرة من أحد الأفلام الأميركية!
اخيرا.. اوشك الوقت لرفع الستار عن مسرحية 'لغز المقهى المتخفي في كراج سيارات'، فبعد عناء البحث والتقصي تكللت الجهود بالوصول الى ابطال الحدث.. 'اصحاب ذاك المشروع المحير'، الذي اتضح ان احدهما يدعى انس العتيبي اما الآخر فهو نواف عبدالمحسن الكوت، بيد ان الحظ والصدفة لم يسمحا سوى بمقابلة الاخير، كان الحوار معه بمثابة العثور على مفتاح اللغز العجيب.. فكان اول ما طرحت عليه من اسئلة، انحصر محتواها في دائرة مساعي البحث والكشف والتنقيب عن جذور الفكرة التي انفجر من جعبتها اسلوب تصميم وطريقة بناء المقهى بكل تفاصيله الغريبة.. المثيرة والطريفة!! وفي ذاك السياق انطلق اول سؤال تلقاه نواف الكوت كان مضمونه:
- من اين وكيف هبط عليك هذا الالهام الذي اوحي اليك بفكرة تنفيذ الكراج.. عفوا اقصد 'المقهى المتنكر'..؟!!.
اجاب الكوت بابتسامة امتصت شغف الفضول قائلا:
- الحقيقة استوحيت الفكرة من مشاهدة احدى الافلام الاميركية حينما ترسخ بذاكرتي مشهد لتجمع هواة السيارات اليابانية في احد كراجات تصليح السيارات، خصص لاحتساء القهوة وتبادل المعلومات والتعرف على جديد اخبار السيارات.. ناهيك عن محاولات الكشف عن مستحدثات الاخر في سيارته.. ومن هنا تولدت فكرة 'تصميم مكان ترفيهي يحتضن هواة السيارات'.
وهنا توقف الكوت للحظات عن الكلام تبددت خلالها الابتسامة بملامح العبوس والكدر.. واذا به يقهر الصمت في صوت عبر عن هموم الهواة.. قائلا: 'لعلها فرصة طيبة اود استغلالها في توضيح جانب مهم وملموس من معاناة الهواة، الا وهي عدم وجود متنفس حقيقي يجمع ويوحد بين محبي السيارات بالشكل الذي يمنح هؤلاء الهواة الفرصة للتعبير عما ذاب القلب في غرامه واسر العقل بجاذبيته، بل ما يهجره الشك يقينا في حديثنا هذا، ان مسألة اقتناء السيارات لم تعد مجرد وسيلة للتنقل او غاية لقضاء متطلبات الحياة اليومية وانما انقلبت المسألة برمتها، خصوصا في السنوات الخميس الاخيرة، الى لون من الوان الهواية وغاية للاستمتاع بمن تحب وتشتهي من موديلات السيارات، وهي الظاهرة التي بات يرويها فكر شريحة وفئة معينة من المجتمع الكويتي، حيث السواد الاعظم منه ينتمي الى الشباب.. بل باتت تتجلى مظاهرها في تجمعات سيارات شباب الكويت على شارع الخليج، وفي اعتقادي الخاص اجد ان تلك المعاناة السالف طرحها كانت سببا رئيسيا في نجاح فكرة المقهى'.
ثلج الشيشة يقدم ب'طاسة الدهن'..! والماء مستبدل بزيت ماكينة!
لا أدري لماذا بدا لي منطقيا أن يكون ذاك المقهى 'الكراجي'.. بتصميمه 'السياراتي'.. وديكوره 'السكرابي'، منجما للطرفة ومادة كوميدية شيقة جدا بل مثيرة لموهبة الشخصيات المرحة ممن يتمتعون بروح النكتة واحكام سيناريو الاسلوب الهزلي المستفز للضحك، وفي هذا السياق سألت 'نواف الكوت':
- يا ترى ما هي اطرف التعليقات التي ترننت على مسامعك على سبيل تفاعل الزبائن مع 'الكافيه الكراجي'.
واذا بالكوت يسرد ضاحكا:
- في احدى المرات حضر زبون وجلس برفقة اصدقائه ثم طلب لنفسه شيشة، طبعا وتماشيا مع 'روشنة' المكان قام 'النادل' بتقديم ثلج الشيشة على طاسة الدهن المستخدمة في الكراجات وورش التصليح عند الحاجة الى تبديل زيت المحرك.. وهنا كانت النكتة والطرفة الحقيقية في رد فعل ذاك الزبون، فاذا به يحدق بامعان للنظر في شكل الشيشة الغريب والجديد بالنسبة اليه.. ثم قال ساخرا"
'شنو هذا..؟! ثلج بطاسة دهن..! والله خلينا انطالع زين.. ليكون حاطت زيت مكان جلاسات الماي..!!'.
كيكة عيد الميلاد 'سيارة'.. وقريبا المشروبات تقدم في 'إكزوزات'!
أضناني الفضول شوقا للتقصي عن الانطباعات الاولى للجنس الناعم، لحظة دخولهن 'الكراج العجيب' خصوصا ان مظهره الخشن جاء على هوا 'الجنس الخشن'، وبيني وبينكم اعزائي القراء، توقعت الا يكون هناك تردد أو تواجد لألطف الكائنات بين احشاء السكراب وخردوات الورش.. بيد ان كانت المفاجأة الكبرى عندما اشار الكوت الى مدى الاقبال الكبير والتردد الملحوظ الذي يحظى به المقهى من البنات، لدرجة تحول الكثيرات الى 'زبونات'، بل بلغ من ذروة اندماج الذوق الناعم 'إلي ما بقاش.. ناعم!!' مع المكان، استمتاع الكثيرات بالاحتفال بأعياد ميلادهن داخل 'الكراج'. وعن تلك الظاهرة التي قلبت الموازين ذكر الكوت متباهيا:
في احدى المرات جاءت فتاة شابة في مقتبل ال 20 ربيعا، لتبرم مع ادارة المقهى التجهيزات والاستعدادات بعيد ميلادها،.. ولما حان وقت قدوم الاصدقاء والمدعوين والمهنئين كانت ادارة 'الاغذية والمشروبات' قد انتهت من اعداد مفاجأة الحفل الذي انبهر بها الحضور فور رؤيتها، بمن فيهم صاحبة عيد الميلاد التي هي نفسها لم تكن تعلم شيئا عن امر تلك المفاجأة!! وهنا قطعت حديث 'الكوت' لأسأله عن نوع تلك المفاجأة، وماذا كانت تحديدا؟!
- فأجاب الكوت بابتسامة يعتريها الخجل:
- كعكة عيد الميلاد تم تقديمها على شكل سيارة 'بونتيك حمراء كلاسيك'..!
'طب يا ترى الشمع كان شموع احتراق المحرك'؟!، وعلى الوضع ده كانت الهدايا ايه؟!
'خاتم كاربراتير'! ولا اسوارة 'سفايف'..!! ولا يمكن جابولها زهرية كومبريسر..؟! على العموم كل شيء جائز!!
المهم خلينا في موضوعنا، عاودت سؤال الكوت مرة اخرى فسألته:
- هل هناك توجهات مستقبلية من قبل ادارة المقهى بشأن تطوير الخدمة مثل: تقديم المشروبات في اكزوزات؟!، بدل الاكواب!.. ومثلا تسخين المياه في راديتر بدل سخان الماي..! او حتى تقديم المشروبات والطلبات على غطاء سيارة بدل الصينية اللي اصبحت موضة قديمة جدا.. طبعا بالنسبة لروشنة كراجكم.. اقصد مقهاكم..؟!
- فأجاب الكوت وهو في محاولة مستميتة لتمالك نفسه من الضحك:
- و'الله افكار.. وايد زينة.. ليش لأ!!'.
الديكورات مجهزة بأحدث صيحات 'السكراب'..!!!
جرت العادة.. بل اعتاد السمع، ان رجل الاعمال الناجح حينما ينوي العزم على افتتاح اي مشروع تجاري مدر للأرباح، لا بد ان يولي عناية فائقة وخاصة جدا لجميع التفاصيل وادقها، حتى يكسب التميز والمظهر المتألق الناجح لما عقد العزم على الشروع فيه وانجازه.. وعلى مرمى حديثنا هذا عن 'الكافيه المنتحل لصفة كراج سيارات'، توقعت ان يكون ملاكه قد استعانوا بمهرة خبراء التصميم الهندسي حتى يخرج شكل المقهى النهائي بتلك الصورة العجيبة.. ولكن.. ماذا لو علمت عزيزي القارئ ان طاقم مهندسي وخبراء الديكور الذين استعان بهم اصحاب المقهى هم مجرد 'هواة للسيارات' من اصحاب التخصصات المختلفة تبعد كل البعد عن حقل الديكور والتصميم، لا بل ستتوهج دهشتك أكثر فأكثر لو ادركت ان الديكورات نفهسا تم تجهيزها وتحصيلها وتجميعها بالكامل من أمغرة (السكراب).
اما عن تفاصيل وذكريات 'رحلة السكراب' الشيقة، الممتعة، والمثيرة، والتي اخشى على بعض قرائي الاعزاء ان يستبدلوا ويفضلوا تلك الرحلة لاحقا على اجازات ورحلات الصيف في اوربا واميركا،.. افصح الكوت قائلا:
'مكثت في أمغرة قرابة الشهرين، وعلى مدى يومي، اغدو من مطلع الشمس ولا اعود الى بعد غروبها، خلال تلك الفترة تبدأ رحلة ومشوار البحث والتنقيب عن القطع والمقتنيات السكرابية الفاخرة ممن اجد فيها ما يناسب اسم الكافيه ويتماشى مع اسلوب وطريقة تصميمه. صحيح ان تلك الرحلة كلفتني 5 آلاف دينار قيمة الديكورات والزينة التي جلبتها من السكراب لكنها كانت رحلة مثمرة عدت منها بغنائم شتى وعلى ما اذكر هي:
- جمعت ما يقارب ال 100 قطعة 'بستن' وبعد ارسالها الى الخراط لتلميعها وتجهيزها للاستعمال، تحولت بقدرة ابداعه الى طفايات سجائر تناثرت حاليا على طاولات الكافيه اذ بلغ اجمالي تكلفتها ما يربو على ال 1500 دينار، في حين كان من الممكن جدا ان اشتري طفايات عادية لا يتعدى سعر الواحدة منها 100 فلس.
- اما لو تحدثنا عن ديكورات الاسقف.. فانتقيت أفخر انواع الزينة والحلى بل ارقاها من 'السكراب'..!!، فأحضرت:
'كرنكات، طاسات تواير، كشافات اضاءة، مرايا جانبية، حمال مكائن المستخدم في ورش ومحلات تصليح السيارات اذ علقت فيه دراجة'.. فقمت باستغلال تلك التحف لتعليقها في الاسقف التابعة للكافيه بحيث تبدو منسدلة من اعلى امام الجالسين على المقاعد.
- هذا طبعا، ناهيك عن الاهداءات النادرة والهدايا القيمة التي اثرى بها الهواة المقهى عند افتتاحه.. فمنهم من تنازل وتبرع للكافيه بجاكيت واق خاص بسباقات الفورمولا '1' فقمت بتعليقه في احد اركان الطابق العلوي للمقهى، ومن الهواة المبدعين من اهداني اعز واغلى ما يملك من الرنجات والتواير، فزينت بها ارضية الكافيه.. وغيرها.. وغيرها من الاهداءات الثمينة.
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_280001.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_280009.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_280009.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_29.jpg
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/28-10-2006//212775_290001.jpg
منقول من جريدة القبس الكويتية
الله يوفّقكم شباب ويوفق عموم الشباب الكويتيين المهتمين بعالم السيارات وانشالله المسؤولين يحسون شوي فينا ويبنون مكان خاص لالتقاء محبي السيارات واماكن لإقامة بطولات وسباقات.