SSR
06-07-15, 07:47 PM
لوحظ في السنوات القليلة المنصرمة انتشار نشاط مكاتب وشركات السيارات الخاصة، التي مضت بكل ثقة تقتطع مساحات كبيرة من ساحات الأماكن العامة والأرصفة والطرقات لعرض منتجاتها من السيارات سواء بغرض البيع أو الشراء أو التأجير أو حتى التثمين وإعادة البيع من جديد. ومن ثم مضت تلك المشاهد يطالعها السواد الأعظم منا كل يوم سواء في طريق الذهاب إلى العمل أو العودة إلى المنزل أو عند قصد الاتجاه لأي مكان في شتى أرجاء العاصمة، بل لقد أضحى من المعتاد رؤية مثل تلك المعارض المتنقلة في أي فضاء أو مساحة خالية بين البيت والآخر. ولكن ماذا عزيزي القارئ لو اكتشفت من بين تلك المعارض وجود معرض متخصص فقط في بيع السيارات الكلاسيكية القديمة المثيرة لعشق وهوس فئة معينة من الهواة المتيمين في الأصل بجمع واقتناء المقتنيات النادرة أو ما يطلق عليها 'الأنتيك' مما تفوح بعبير الماضي والتاريخ السحيق وتروي قصص صانعيها مع التلميح بسمات وفكر ومعالم العصر أو الحقبة التي صنعت فيه... فيصبح هذا هاويا لجمع العملات المعدنية العتيقة... وآخر عاشقا لاقتناء اللوحات الفنية العريقة... وذاك مغرما بل دواء عقله أن يكون من أصحاب وملاك المركبات الأنتيك. ويغدو الأمر في نهاية المطاف لا يخرج عن سياج وإطار الهواية التي يستنجد عشاقها بزيارة المزادات والمتاحف العالمية الحاضنة لمثل تلك الأنتيكات والمقتنيات النادرة، بغية إطفاء لهيب تلك الهوايات الملحة والمهيمنة على وجدان أصحابها.
ولكن أعاود لأكرر السؤال بصورة أخرى: ماذا عزيزي القارئ لو تحولت تلك الهواية إلى تجارة محلية؟ أو بالأحرى ماذا لو تحول الحاضن لتلك المقتنيات القديمة أو 'هاوي الكلاسيك' إلى 'تاجر أنتيك'؟!
نعم.. ولا أخفي قولا عزيزي القارئ ان ذاك السؤال كان أول ما تبادر إلى ذهني وطرق أبواب فكره، بل ان حق التعبير كان وليدا للمشهد التالي:
بينما كنت في طريق العودة من العمل متوجها إلى المنزل، وحيث اعتدت يوميا مشاهدة عدد معين من معارض السيارات المحتلة لمساحات كبيرة من الساحات الخالية بين البيوت المحيطة بمسكني، إلى أن استوقفني في تلك المرة مطالعة ساحة كبيرة معروض فيها عدد كبير من المركبات الكلاسيكية القديمة مما تعود اعمار تصنيعها إلى ما يربو على الخمسين والأربعين عاما، أي ما تروى تصميماتها فلسفة تصنيع السيارات في العقود الخامسة والسادسة تقريبا من القرن الماضي... فهذه تبدو وكأنها باكورة إنتاج 'الفيراري' وتلك محتمل أن تكون جاكوار عتيق الصنع.. وتلك تحمل ملامح 'الكورفت' وربما يعود إنتاجها إلى منتصف ستينات القرن المنصرم ويبدو من تصميمها الرياضي انها كانت حلم الشباب في تلك الحقبة الزمنية.
وفي النهاية وأمام ما أطالعه لم أجد نفسي إلا وقد وقفت بسيارتي بجوار ذاك المعرض الأنتيك ومضيت أسأل عن صاحبه حتى عثرت عليه وحينئذ دار الحوار التالي:
- أهذا المعرض متخصص فقط في بيع السيارات الأنتيك؟
- نعم، فقط للسيارات القديمة الكلاسيك.
- كم عدد السيارات المعروضة تقريبا؟
- حوالي 35 سيارة.
- هل هناك مكاتب أخرى متخصصة في بيع الكلاسيكي في السوق الكويتي؟
- لا.. يعتبر هذا أول مكتب في الكويت.
- أهذا ينبئ بميلاد تجارة جديدة في سوق السيارات المحلي، اسمها 'تجارة الأنتيك'؟
- والله... أتوقع ذلك... ليش لا؟
- وكيف كانت البداية معك؟
- المسألة بالنسبة لي كانت مجرد هواية تارة أشبعها بالاقتناء... وتارة أخرى بمتابعة أخبار الكلاسيك ومطالعة أنواعه وطرازاته النادرة عبر تصفح الإنترنت... إلى أن أتاحت لي الظروف فرصة استثمار الأنتيك من خلال هذا المكتب.
مجازفة.. أو.. شطارة
لا اخفي عليك عزيزي القارئ، ما اعتراني من شك في ان يكون ما اقدم عليه صاحبنا 'هاوي الكلاسيك' من استثمار امواله في شراء ما يربو على ال 35 سيارة انتيك ومن ثم المضي في المتاجرة بها، بل تخصيص معرض خاص لبيع وشراء الكلاسيك، هو نوع من المجازفة وليس 'شطارة تاجر'. اما اذا سألتني عن سبب ذاك الاعتقاد فأقول لك عزيزي القارئ ان مبررا ما انتابني من الشك في نجاح ذاك المشروع يأتي من ان اسعار الانتيك في حد ذاتها باهظة للغاية، ناهيك عن صعوبة تحصيل قطع غيارها، فمن خلال احاديثي مع نخبة من هواة الكلاسيك، تبين لي لجوء الكثير منهم الى الاسواق الاميركية والاوروبية بحثا عن قطع غيار واكسسوارات الانتيك، الامر الذي يبرهن على صعوبة تحصيل تلك القطع بالسوق المحلي.. بل ان الخلاصة وزبدة القول الذي خرجت به من كلام واحاديث هؤلاء الهواة: ان السيارات الكلاسيك بالرغم من انها متعة قيادة، فخامة طلة، شعور ينتابك بتملك طراز نادر.. فانه في النهاية 'اللي معاه كلاسيك.. الله يعينه من وجع الراس'، بل بالاضافة الى ما سلف ذكره، لا يمكن استعمالها بشكل يومي نظرا لما تتطلبه من عناية فائقة وحساسية مفرطة في التعامل مع قيادتها واستعمالها اجمالا.
والان عزيزي القارئ.. ما رأيك؟ اليست تلك مجازفة من صاحبنا الملقب ب 'تاجر الانتيك؟!!.. حسنا حتى لو اعتبرنا ما سلف استعراضه مجرد رأي او وجهة نظر، يا ترى ما رأي صاحب الشأن نفسه؟ وهل له وجهة نظر خاصة بالموضوع؟
اما اذا اردت ان تطلق سراح فضولك عزيزي القارئ فعليك بالاستماع الى ما ورد على لسان صديقنا 'تاجر الانتيك' بخصوص ما طرحناه سلفا، لعلنا نجد ضالتنا في آرائه التي استعرضها كما يلي: 'بصراحة اللي شجعني او بالاحرى دفعني للشروع في 'تجارة الانتيك'، ارتفاع نسبة عشاق وهواة اقتناء المركبات الكلاسيك بالسوق الكويتي، بل بالعكس ظننت ان بتلك الخطوة اكون قد وفرت عليهم عناء ومشقة البحث والسفر خصيصا الى الخارج لاجل اشباع الرغبة في اقتناء الانتيك.. يعني مثلا زمان.. اللي كان يسافر للتعليم او العلاج او حتى بغرض السياحة لازم يرجع ومعه سيارة انتيك وهذا يعني ان الهواية ترافق صاحبها اينما كان وحيث تواجد، ومن هذا المنطلق مضيت بكل ثقة في فتح مكتب متخصص في بيع السيارات الكلاسيك.. لكن لا اخفي ما اصابني في بداية المشوار من الخوف والقلق الشديدين من فشل المشروع خصوصا ان الانتيك صعب تحصل قطع غيارها ولذلك اعتبرتها خطوة صعبة تحمل شيئا من المغامرة.. ولكن جاءت النتائج معاكسة لكل التوقعات.. فالحقيقة لاحظت وجود اقبال كبير جدا من الزبائن، بل وشعرت وكأني فتحت متحفا للكلاسيك فالجميع يأتي ليطالع ويشاهد ويسأل عن الموديل ومتى انتج وما الامكانات وكثير منهم يشتري.. على الرغم من انني لم الجأ اطلاقا الى تنزيل الاعلانات بالصحف ولا اي وسيلة اعلان حتى عبر الانترنت، هو شكل الانتيك في حد ذاته يخطف عقول الزبائن وخصوصا هواته ومحبيه'.
الرياضي الكلاسيكي.. 'أفيونة' عقول الشباب..!!
سألت تاجر الانتيك عن الفئات العمرية من الزبائن الاعلى اقبالا واكثر طلبا على شراء المركبات القديمة، وكانت الدهشة في رده عندما ادلى بانها 'شريحة الشباب'، ولما سألته عن الانواع والطرازات الاكثر جذبا لجيوب الشباب، احصاها في الفئات التالية:
الكامارو
البونتيك
الاولدز موبيل 442
موستن
فورد
الجي تي او
الكورفت
ترانز
ثم افصح عن سر عشق الشباب لتلك الطرازات والانواع تحديدا قائلا:
'طبعا على اعتبار انها مركبات تحمل اثار الطابع الرياضي العتيق، ومن ثم جاء تصميمها صديقا حميما للسرعة ومتانة الاداء 'ساحر عقول الشباب' وفي الوقت نفسه تلك النوعية من المركبات الرياضية القديمة قابلة للتعديل، لذا فاغلب الشباب ينبهرون بطلتها الكلاسيكية الاصيلة وامكاناتها الجبارة في السرعة والاداء طبعا بعد تعديل كفاءة محركاتها وتطوير تقنياتها بما يضاهي الحصول على معدلات قوة وسحب وسرعة فائقة.. فتصير امتع في القيادة واسرع من نظائرها من الموديلات الحديثة، لتصبح في النهاية سيارة رياضية بتقنية الحديث من الداخل وتحفة الشكل والتصميم العريق من الخارج 'مين عارف بعد كده الشباب ممكن يعمل ايه.. مش بعيد نسمع عن سياكل اتحولت لسيارات نقل ركاب!!'.
الكلاسيك يبدا 1500دينار والانتيك من 13 الف دينار
عندما سألت 'تاجر الانتيك' عن معدل مبيعاته اليومية من السيارات القديمة فإذا به ابتسم قائلا:
'لا شوي.. شوي' اي مبيعات يومية هنا يا دوب نحصل البيع شهريا.. ترى هالتجارة مو وايد ربحها كثير، يعني انا ببيعلي بالشهر 12 او 13 سيارة يمكن احصل فيهم ربح بحدود ال3 آلاف دينار بس بالشهر'.
'إيه ده هو خايف من العين ولا ايه؟!! طيب تعالوا نشوف'.
ويا ترى كم اسعار السيارات القديمة اللي بتبيعها؟
والله على حسب الموديل والشكل والنوع، وطبعا يرجع لحالة السيارة وهل كل قطعة فيها اصلية ولا معدلة ومضاف اليها زوائد حديثة يعني مثلا الفرش الداخلي من الجلد الطبيعي، وتصنيع يدوي ولا تلبيس جديد، الماكينة هي نفسها اللي جاية من المصنع ولا عليها اضافات سرعة ومقويات اداء وطبعا فوق كل هذا يظل الحكم لمدى ندرة طراز المركزبة القديمة نفسها، يعني 'الانتيك' هي السيارة ذات الطراز النادر التي يعود انتاجها الى اربعينات القرن الماضي او ما قبلها، وبالتالي هذه يكون سعرها اغلى يمكن يبدأ من ال13 الف دينار وطالع.
اما 'الكلاسيك' فيطلق على السيارات التي يعود تصنيعها الى فترة الستينات والسبعينات فتكون ارخص من الانتيك ويبدأ سعرها بحد ادنى من ال1500 دينار'.
'آه يعني 'صاحبنا' كان بيغزي العين'!
الشفر من الستينات.. الأعلى طلبا في السوق الكويتي
أشار 'تاجر الانتيك' في سياق حديثه إلى أن المركبات الكلاسيك التي تعود إصداراتها إلى ستينات القرن المنصرم هي الأعلى طلبا والأكثر إقبالا من بين فئات وطرازات القديم كافة في السوق المحلي بل وبدرجة أكبر حتى من مستوى الإقبال والطلب على منتجات السبعينات من السيارات، عازيا أسباب ذاك الإقبال إلى ما تمتعت به فلسفة تصنيع السيارات في حقبة الستينات، إذ كانت تحمل شعار القوة والمتانة الفائقة في التصنيع، فجنت الأسواق العالمية للسيارات آنذاك مركبات مصنعة بالكامل من الحديد والنيكل، اما إصدارات السبعينات فجاءت أقرب إلى الموديلات الحديثة من حيث درجة الكفاءة والأداء والتصميم والشكل.
غير اني لاحظت في ثنايا حديث تاجر الانتيك انه كثيرا ما يخص الذكر والإشارة والتحدث عن 'الشفر الكلاسيك القديم' بجميع موديلاته وفئاته وأنواعه وإصداراته كافة، سواء التي تعود للخمسينات أو الستينات من القرن المنصرم، ولما سألته عن سر تركيزه على ذكر وترديد اسم 'الشفر الكلاسيك' تحديدا دون الأنواع والفئات الأخرى القديمة، أفاد انه يحظى بأعلى نسبة إقبال وطلب في السوق الكويتي من قبل عشاق وهواة اقتناء السيارات الكلاسيك، لاعتبارات عدة كشف أسرارها وسردها فيما يلي:
1 - الشفر بأنواعه وموديلاته كافة وخصوصا في حقب الخمسينات والستينات كان يحظى بشهرة ذائعة الصيت في السوق الكويتي واحتل مكانة كبيرة في قلوب عشاق اقتناء السيارات آنذاك، إذ كان حلم كل بيت كويتي أن يقتني سيارة 'شفر'. يعني المسألة نوع من الحنين إلى أشواق الماضي للشفر.
2 - سهولة العثور على قطع غياره فإلى الآن توفر شركة جنرال موتورز قطع غيار جميع إصدارات الشفر بغض النظر عن عمر الموديل نفسه، حتى لو مضى على تصنيعه ما يربو على ال 40 عاما.
إلى الآن يعد الشفر بتصميم محركاته القادرة على تحمل الحرارة العالية، هو الأنسب لتحمل الأجواء الخليجية... فما بالك بالكلاسيكي القديم؟!
اشلون الأنامل الناعمة تسوق كلاسيك؟!
سألت تاجر الانتيك:
هل الجنس الناعم من زبائنك؟
فأجاب كالتالي:
'مستحيل ست تشتري كلاسيك الحريم بس تتفرج لكن نهائيا مايشترون، يعني اطالعهم يحبوا شكل الانتيك والاحظهم يتفاعلون وياه.. بس ولا مرة وما صارت ابدا ان حرمة اشترت مني سيارة كلاسيك والصراحة معاهم حق فهذه السيارات صعبة على استعمال الجنس الناعم، خصوصا لو اختربت منها على الطريق، وبعدين ما فيها حتى مكيف او راديو هذه بس حج الهاوي وكمان هالنوعية من الكلاسيك القديم ترى تحتاج قوة عضلية بالقيادة، لانها مو Power Steering فاشلون الانامل تسوق حديد حتى لو كان تحفة في شكله ولا تصميم كلاسيك'.
ضحى بالزوجة والقرض من أجل الأنتيك
كنت اعتقد ان السيارة هي مجرد وسيلة انتقال، مثلها كمثل نظائرها من كماليات الحياة اليومية.. ولكن بعد ما اخبرني به 'تاجر الانتيك'، تيقنت تماما من ارتفاع قدر ومكانة ومنزلة صاحبة المقام الرفيع 'السيارة' الى ما هو اعظم واسمى وارقى من اغراض استعمالها الاساسية.. فهي الان ولا حسد 'ويخزي العين'، غدت تحتل مكانة الزوجة في قلب الرجل..! نعم هذا هو ما حدث بالفعل مع احد الزبائن الذي اتى لتاجر الانتيك يطلب يد.. اقصد ليشتري احدى السيارات الكلاسيك المعروضة التي اثرت عقله وقلبه ولم يكن لديه سوى 500 دينار من مهرها.. اقصد ثمنها البالغ 4500 دينار. ماذا تعتقدون فعل هذا الزبون؟ يقول تاجر الانتيك: غاب ذاك الزبون قرابة اسبوعين وفي منتصف الاسبوع الثالث تفاجأت بمجيئه وبصحبته المبلغ المطلوب كاش بالكامل، وبعد ان دفع ثمن السيارة المرغوبة نظر اليها واذا به يقول: خلاص انا اخذت من البنك القرض اللي كنت ناوي اتزوج بيه.. بس خلص الحين صرت زوجتي.. وما راح اتزوج عليكي ابدا..!!
'طيب الزوجة وعرفناها.. يا ترى الاولاد مين.. قطع الغيار؟!!'.
من تواضع لله.. رفعه
عن اطرف المواقف التي جابهت تاجر الانتيك مع الزبائن، يروي ضاحكا:
في ذات المرات جاءني زبون يريد ان يعرض سيارته الانتيك للبيع في ساحة عرض السيارات التابعة لمكتبي الخاص، واذا به قبل مغادرة المكتب يسرد امامي قائمة من المحظورات تضمنت ما يلي:
ممنوع زبون يسوق السيارة.
ممنوع زبون يركب السيارة.
ممنوع زبون يطالعها من الداخل.
ممنوع زبون يفتح السيارة.
وهنا غلب الضحك على التاجر اذ قال لصاحبنا هذا.. اذا اشلون تبي اتبيعها وانت ماخذ حتى مفتاحها.. وما تبي احد يطالعها؟! فرد عليه الزبون قائلا:
والله كيفه اللي يبي يشتري.. يشتري واللي مو عاجبه كيفه.. يدور غيري..!!
'يا سلام.. يعني كان عمل فينا ايه لو كان المعروض لا مبرجين ولا فيراري او بورش يمكن كان فرض مخالفة على النظرة للسيارة؟!!'.
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/15-7-2006//185645_300001.jpg
ولكن أعاود لأكرر السؤال بصورة أخرى: ماذا عزيزي القارئ لو تحولت تلك الهواية إلى تجارة محلية؟ أو بالأحرى ماذا لو تحول الحاضن لتلك المقتنيات القديمة أو 'هاوي الكلاسيك' إلى 'تاجر أنتيك'؟!
نعم.. ولا أخفي قولا عزيزي القارئ ان ذاك السؤال كان أول ما تبادر إلى ذهني وطرق أبواب فكره، بل ان حق التعبير كان وليدا للمشهد التالي:
بينما كنت في طريق العودة من العمل متوجها إلى المنزل، وحيث اعتدت يوميا مشاهدة عدد معين من معارض السيارات المحتلة لمساحات كبيرة من الساحات الخالية بين البيوت المحيطة بمسكني، إلى أن استوقفني في تلك المرة مطالعة ساحة كبيرة معروض فيها عدد كبير من المركبات الكلاسيكية القديمة مما تعود اعمار تصنيعها إلى ما يربو على الخمسين والأربعين عاما، أي ما تروى تصميماتها فلسفة تصنيع السيارات في العقود الخامسة والسادسة تقريبا من القرن الماضي... فهذه تبدو وكأنها باكورة إنتاج 'الفيراري' وتلك محتمل أن تكون جاكوار عتيق الصنع.. وتلك تحمل ملامح 'الكورفت' وربما يعود إنتاجها إلى منتصف ستينات القرن المنصرم ويبدو من تصميمها الرياضي انها كانت حلم الشباب في تلك الحقبة الزمنية.
وفي النهاية وأمام ما أطالعه لم أجد نفسي إلا وقد وقفت بسيارتي بجوار ذاك المعرض الأنتيك ومضيت أسأل عن صاحبه حتى عثرت عليه وحينئذ دار الحوار التالي:
- أهذا المعرض متخصص فقط في بيع السيارات الأنتيك؟
- نعم، فقط للسيارات القديمة الكلاسيك.
- كم عدد السيارات المعروضة تقريبا؟
- حوالي 35 سيارة.
- هل هناك مكاتب أخرى متخصصة في بيع الكلاسيكي في السوق الكويتي؟
- لا.. يعتبر هذا أول مكتب في الكويت.
- أهذا ينبئ بميلاد تجارة جديدة في سوق السيارات المحلي، اسمها 'تجارة الأنتيك'؟
- والله... أتوقع ذلك... ليش لا؟
- وكيف كانت البداية معك؟
- المسألة بالنسبة لي كانت مجرد هواية تارة أشبعها بالاقتناء... وتارة أخرى بمتابعة أخبار الكلاسيك ومطالعة أنواعه وطرازاته النادرة عبر تصفح الإنترنت... إلى أن أتاحت لي الظروف فرصة استثمار الأنتيك من خلال هذا المكتب.
مجازفة.. أو.. شطارة
لا اخفي عليك عزيزي القارئ، ما اعتراني من شك في ان يكون ما اقدم عليه صاحبنا 'هاوي الكلاسيك' من استثمار امواله في شراء ما يربو على ال 35 سيارة انتيك ومن ثم المضي في المتاجرة بها، بل تخصيص معرض خاص لبيع وشراء الكلاسيك، هو نوع من المجازفة وليس 'شطارة تاجر'. اما اذا سألتني عن سبب ذاك الاعتقاد فأقول لك عزيزي القارئ ان مبررا ما انتابني من الشك في نجاح ذاك المشروع يأتي من ان اسعار الانتيك في حد ذاتها باهظة للغاية، ناهيك عن صعوبة تحصيل قطع غيارها، فمن خلال احاديثي مع نخبة من هواة الكلاسيك، تبين لي لجوء الكثير منهم الى الاسواق الاميركية والاوروبية بحثا عن قطع غيار واكسسوارات الانتيك، الامر الذي يبرهن على صعوبة تحصيل تلك القطع بالسوق المحلي.. بل ان الخلاصة وزبدة القول الذي خرجت به من كلام واحاديث هؤلاء الهواة: ان السيارات الكلاسيك بالرغم من انها متعة قيادة، فخامة طلة، شعور ينتابك بتملك طراز نادر.. فانه في النهاية 'اللي معاه كلاسيك.. الله يعينه من وجع الراس'، بل بالاضافة الى ما سلف ذكره، لا يمكن استعمالها بشكل يومي نظرا لما تتطلبه من عناية فائقة وحساسية مفرطة في التعامل مع قيادتها واستعمالها اجمالا.
والان عزيزي القارئ.. ما رأيك؟ اليست تلك مجازفة من صاحبنا الملقب ب 'تاجر الانتيك؟!!.. حسنا حتى لو اعتبرنا ما سلف استعراضه مجرد رأي او وجهة نظر، يا ترى ما رأي صاحب الشأن نفسه؟ وهل له وجهة نظر خاصة بالموضوع؟
اما اذا اردت ان تطلق سراح فضولك عزيزي القارئ فعليك بالاستماع الى ما ورد على لسان صديقنا 'تاجر الانتيك' بخصوص ما طرحناه سلفا، لعلنا نجد ضالتنا في آرائه التي استعرضها كما يلي: 'بصراحة اللي شجعني او بالاحرى دفعني للشروع في 'تجارة الانتيك'، ارتفاع نسبة عشاق وهواة اقتناء المركبات الكلاسيك بالسوق الكويتي، بل بالعكس ظننت ان بتلك الخطوة اكون قد وفرت عليهم عناء ومشقة البحث والسفر خصيصا الى الخارج لاجل اشباع الرغبة في اقتناء الانتيك.. يعني مثلا زمان.. اللي كان يسافر للتعليم او العلاج او حتى بغرض السياحة لازم يرجع ومعه سيارة انتيك وهذا يعني ان الهواية ترافق صاحبها اينما كان وحيث تواجد، ومن هذا المنطلق مضيت بكل ثقة في فتح مكتب متخصص في بيع السيارات الكلاسيك.. لكن لا اخفي ما اصابني في بداية المشوار من الخوف والقلق الشديدين من فشل المشروع خصوصا ان الانتيك صعب تحصل قطع غيارها ولذلك اعتبرتها خطوة صعبة تحمل شيئا من المغامرة.. ولكن جاءت النتائج معاكسة لكل التوقعات.. فالحقيقة لاحظت وجود اقبال كبير جدا من الزبائن، بل وشعرت وكأني فتحت متحفا للكلاسيك فالجميع يأتي ليطالع ويشاهد ويسأل عن الموديل ومتى انتج وما الامكانات وكثير منهم يشتري.. على الرغم من انني لم الجأ اطلاقا الى تنزيل الاعلانات بالصحف ولا اي وسيلة اعلان حتى عبر الانترنت، هو شكل الانتيك في حد ذاته يخطف عقول الزبائن وخصوصا هواته ومحبيه'.
الرياضي الكلاسيكي.. 'أفيونة' عقول الشباب..!!
سألت تاجر الانتيك عن الفئات العمرية من الزبائن الاعلى اقبالا واكثر طلبا على شراء المركبات القديمة، وكانت الدهشة في رده عندما ادلى بانها 'شريحة الشباب'، ولما سألته عن الانواع والطرازات الاكثر جذبا لجيوب الشباب، احصاها في الفئات التالية:
الكامارو
البونتيك
الاولدز موبيل 442
موستن
فورد
الجي تي او
الكورفت
ترانز
ثم افصح عن سر عشق الشباب لتلك الطرازات والانواع تحديدا قائلا:
'طبعا على اعتبار انها مركبات تحمل اثار الطابع الرياضي العتيق، ومن ثم جاء تصميمها صديقا حميما للسرعة ومتانة الاداء 'ساحر عقول الشباب' وفي الوقت نفسه تلك النوعية من المركبات الرياضية القديمة قابلة للتعديل، لذا فاغلب الشباب ينبهرون بطلتها الكلاسيكية الاصيلة وامكاناتها الجبارة في السرعة والاداء طبعا بعد تعديل كفاءة محركاتها وتطوير تقنياتها بما يضاهي الحصول على معدلات قوة وسحب وسرعة فائقة.. فتصير امتع في القيادة واسرع من نظائرها من الموديلات الحديثة، لتصبح في النهاية سيارة رياضية بتقنية الحديث من الداخل وتحفة الشكل والتصميم العريق من الخارج 'مين عارف بعد كده الشباب ممكن يعمل ايه.. مش بعيد نسمع عن سياكل اتحولت لسيارات نقل ركاب!!'.
الكلاسيك يبدا 1500دينار والانتيك من 13 الف دينار
عندما سألت 'تاجر الانتيك' عن معدل مبيعاته اليومية من السيارات القديمة فإذا به ابتسم قائلا:
'لا شوي.. شوي' اي مبيعات يومية هنا يا دوب نحصل البيع شهريا.. ترى هالتجارة مو وايد ربحها كثير، يعني انا ببيعلي بالشهر 12 او 13 سيارة يمكن احصل فيهم ربح بحدود ال3 آلاف دينار بس بالشهر'.
'إيه ده هو خايف من العين ولا ايه؟!! طيب تعالوا نشوف'.
ويا ترى كم اسعار السيارات القديمة اللي بتبيعها؟
والله على حسب الموديل والشكل والنوع، وطبعا يرجع لحالة السيارة وهل كل قطعة فيها اصلية ولا معدلة ومضاف اليها زوائد حديثة يعني مثلا الفرش الداخلي من الجلد الطبيعي، وتصنيع يدوي ولا تلبيس جديد، الماكينة هي نفسها اللي جاية من المصنع ولا عليها اضافات سرعة ومقويات اداء وطبعا فوق كل هذا يظل الحكم لمدى ندرة طراز المركزبة القديمة نفسها، يعني 'الانتيك' هي السيارة ذات الطراز النادر التي يعود انتاجها الى اربعينات القرن الماضي او ما قبلها، وبالتالي هذه يكون سعرها اغلى يمكن يبدأ من ال13 الف دينار وطالع.
اما 'الكلاسيك' فيطلق على السيارات التي يعود تصنيعها الى فترة الستينات والسبعينات فتكون ارخص من الانتيك ويبدأ سعرها بحد ادنى من ال1500 دينار'.
'آه يعني 'صاحبنا' كان بيغزي العين'!
الشفر من الستينات.. الأعلى طلبا في السوق الكويتي
أشار 'تاجر الانتيك' في سياق حديثه إلى أن المركبات الكلاسيك التي تعود إصداراتها إلى ستينات القرن المنصرم هي الأعلى طلبا والأكثر إقبالا من بين فئات وطرازات القديم كافة في السوق المحلي بل وبدرجة أكبر حتى من مستوى الإقبال والطلب على منتجات السبعينات من السيارات، عازيا أسباب ذاك الإقبال إلى ما تمتعت به فلسفة تصنيع السيارات في حقبة الستينات، إذ كانت تحمل شعار القوة والمتانة الفائقة في التصنيع، فجنت الأسواق العالمية للسيارات آنذاك مركبات مصنعة بالكامل من الحديد والنيكل، اما إصدارات السبعينات فجاءت أقرب إلى الموديلات الحديثة من حيث درجة الكفاءة والأداء والتصميم والشكل.
غير اني لاحظت في ثنايا حديث تاجر الانتيك انه كثيرا ما يخص الذكر والإشارة والتحدث عن 'الشفر الكلاسيك القديم' بجميع موديلاته وفئاته وأنواعه وإصداراته كافة، سواء التي تعود للخمسينات أو الستينات من القرن المنصرم، ولما سألته عن سر تركيزه على ذكر وترديد اسم 'الشفر الكلاسيك' تحديدا دون الأنواع والفئات الأخرى القديمة، أفاد انه يحظى بأعلى نسبة إقبال وطلب في السوق الكويتي من قبل عشاق وهواة اقتناء السيارات الكلاسيك، لاعتبارات عدة كشف أسرارها وسردها فيما يلي:
1 - الشفر بأنواعه وموديلاته كافة وخصوصا في حقب الخمسينات والستينات كان يحظى بشهرة ذائعة الصيت في السوق الكويتي واحتل مكانة كبيرة في قلوب عشاق اقتناء السيارات آنذاك، إذ كان حلم كل بيت كويتي أن يقتني سيارة 'شفر'. يعني المسألة نوع من الحنين إلى أشواق الماضي للشفر.
2 - سهولة العثور على قطع غياره فإلى الآن توفر شركة جنرال موتورز قطع غيار جميع إصدارات الشفر بغض النظر عن عمر الموديل نفسه، حتى لو مضى على تصنيعه ما يربو على ال 40 عاما.
إلى الآن يعد الشفر بتصميم محركاته القادرة على تحمل الحرارة العالية، هو الأنسب لتحمل الأجواء الخليجية... فما بالك بالكلاسيكي القديم؟!
اشلون الأنامل الناعمة تسوق كلاسيك؟!
سألت تاجر الانتيك:
هل الجنس الناعم من زبائنك؟
فأجاب كالتالي:
'مستحيل ست تشتري كلاسيك الحريم بس تتفرج لكن نهائيا مايشترون، يعني اطالعهم يحبوا شكل الانتيك والاحظهم يتفاعلون وياه.. بس ولا مرة وما صارت ابدا ان حرمة اشترت مني سيارة كلاسيك والصراحة معاهم حق فهذه السيارات صعبة على استعمال الجنس الناعم، خصوصا لو اختربت منها على الطريق، وبعدين ما فيها حتى مكيف او راديو هذه بس حج الهاوي وكمان هالنوعية من الكلاسيك القديم ترى تحتاج قوة عضلية بالقيادة، لانها مو Power Steering فاشلون الانامل تسوق حديد حتى لو كان تحفة في شكله ولا تصميم كلاسيك'.
ضحى بالزوجة والقرض من أجل الأنتيك
كنت اعتقد ان السيارة هي مجرد وسيلة انتقال، مثلها كمثل نظائرها من كماليات الحياة اليومية.. ولكن بعد ما اخبرني به 'تاجر الانتيك'، تيقنت تماما من ارتفاع قدر ومكانة ومنزلة صاحبة المقام الرفيع 'السيارة' الى ما هو اعظم واسمى وارقى من اغراض استعمالها الاساسية.. فهي الان ولا حسد 'ويخزي العين'، غدت تحتل مكانة الزوجة في قلب الرجل..! نعم هذا هو ما حدث بالفعل مع احد الزبائن الذي اتى لتاجر الانتيك يطلب يد.. اقصد ليشتري احدى السيارات الكلاسيك المعروضة التي اثرت عقله وقلبه ولم يكن لديه سوى 500 دينار من مهرها.. اقصد ثمنها البالغ 4500 دينار. ماذا تعتقدون فعل هذا الزبون؟ يقول تاجر الانتيك: غاب ذاك الزبون قرابة اسبوعين وفي منتصف الاسبوع الثالث تفاجأت بمجيئه وبصحبته المبلغ المطلوب كاش بالكامل، وبعد ان دفع ثمن السيارة المرغوبة نظر اليها واذا به يقول: خلاص انا اخذت من البنك القرض اللي كنت ناوي اتزوج بيه.. بس خلص الحين صرت زوجتي.. وما راح اتزوج عليكي ابدا..!!
'طيب الزوجة وعرفناها.. يا ترى الاولاد مين.. قطع الغيار؟!!'.
من تواضع لله.. رفعه
عن اطرف المواقف التي جابهت تاجر الانتيك مع الزبائن، يروي ضاحكا:
في ذات المرات جاءني زبون يريد ان يعرض سيارته الانتيك للبيع في ساحة عرض السيارات التابعة لمكتبي الخاص، واذا به قبل مغادرة المكتب يسرد امامي قائمة من المحظورات تضمنت ما يلي:
ممنوع زبون يسوق السيارة.
ممنوع زبون يركب السيارة.
ممنوع زبون يطالعها من الداخل.
ممنوع زبون يفتح السيارة.
وهنا غلب الضحك على التاجر اذ قال لصاحبنا هذا.. اذا اشلون تبي اتبيعها وانت ماخذ حتى مفتاحها.. وما تبي احد يطالعها؟! فرد عليه الزبون قائلا:
والله كيفه اللي يبي يشتري.. يشتري واللي مو عاجبه كيفه.. يدور غيري..!!
'يا سلام.. يعني كان عمل فينا ايه لو كان المعروض لا مبرجين ولا فيراري او بورش يمكن كان فرض مخالفة على النظرة للسيارة؟!!'.
http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperBackOffice/ArticlesPictures/15-7-2006//185645_300001.jpg